بعد الهجرة… من يسأل كبار السن العرب: هل أنتم بخير؟

قد ينجح المهاجر في بناء حياة جديدة، لكنه قد يخسر في المقابل شبكة الأصدقاء والعائلة والشعور بالانتماء. نسلّط الضوء على الوحدة والصحة النفسية لدى كبار السن العرب في نيوزيلندا، وكيف يمكن للعائلة والمجتمع أن يصنعا فرقاً حقيقياً.

ArabNZ

# الوحدة بعد الهجرة: الصحة النفسية لكبار السن العرب في نيوزيلندا… من يسألهم: هل أنتم بخير؟ في كثير من العائلات العربية، نسأل آباءنا وأمهاتنا: هل تناولتم الدواء؟ هل ضغط الدم جيد؟ هل لديكم موعد مع الطبيب؟ لكن هناك سؤالاً أقل شيوعاً: **هل تشعرون بالوحدة؟** بالنسبة إلى بعض كبار السن العرب الذين هاجروا إلى نيوزيلندا، قد لا تكون أصعب آثار الهجرة مرتبطة بالطقس أو اللغة أو حتى تكاليف المعيشة، بل بفقدان البيئة الاجتماعية التي عاشوا فيها لعقود. العائلة الكبيرة أصبحت في بلد آخر. الجيران الذين كانوا جزءاً من الحياة اليومية اختفوا. الأصدقاء القدامى تفصلهم آلاف الكيلومترات. الأبناء يعملون لساعات طويلة، والأحفاد يعيشون ثقافة مختلفة وربما يتحدثون الإنجليزية بطلاقة أكبر من العربية. كل ذلك قد يحدث بصمت. ولهذا فإن الحديث عن الصحة النفسية لكبار السن والمهاجرين العرب في نيوزيلندا لا ينبغي أن يبدأ فقط عند ظهور أزمة نفسية حادة، بل من سؤال أبسط بكثير: **هل ما زال الشخص يشعر بأنه جزء فعلي من المجتمع والحياة من حوله؟** ## الوحدة ليست مجرد شعور عابر مكتب كبار السن في نيوزيلندا، **Office for Seniors – Te Tari Kaumātua**، يعتبر التواصل الاجتماعي والعلاقات الهادفة مع الأسرة والمجتمع جزءاً أساسياً من الرفاه مع التقدم في العمر. وتشير استراتيجية **Better Later Life** إلى أن كبار السن قد يعانون من الوحدة والعزلة الاجتماعية، وأن هذه العزلة قد ترتبط بنتائج سلبية على الصحة النفسية والجسدية. كما تشير إلى أن الأشخاص الذين لم يولدوا في نيوزيلندا أو الذين لا يتحدثون الإنجليزية قد يواجهون صعوبة أكبر في الحفاظ على الروابط الاجتماعية. وهذه نقطة مهمة جداً بالنسبة إلى المجتمع العربي. فالانتقال إلى نيوزيلندا في سن متقدمة يختلف تماماً عن الهجرة في سن العشرين. الشاب يستطيع الالتحاق بالدراسة أو العمل وبناء دائرة اجتماعية جديدة تدريجياً، بينما قد يصل الأب أو الأم في الستين أو السبعين من العمر من دون بيئة عمل، ومن دون شبكة أصدقاء، وربما بقدرة محدودة على استخدام الإنجليزية أو التكنولوجيا. وهنا يمكن أن تتحول الهجرة من بداية جديدة إلى حياة أكثر انعزالاً مما كانت عليه في البلد الأصلي. ## عندما يتغير دور الأب والأم بعد الهجرة في مجتمعاتنا العربية، يحمل كبار السن غالباً مكانة واضحة داخل الأسرة والمجتمع. الأب ربما كان معروفاً في حيه أو في عمله. الأم قد تكون محاطة بالأخوات والجارات والأقارب، وتشكل جزءاً مركزياً من حياة الأسرة الممتدة. بعد الهجرة، يمكن أن تتغير هذه الأدوار بشكل كبير. قد يصبح الشخص الذي كان مستقلاً في بلده محتاجاً إلى ابنه أو ابنته لترجمة رسالة من البنك، أو حجز موعد طبي، أو التعامل مع الجهات الحكومية، أو حتى التنقل من مكان إلى آخر. هذا التغيير لا يعني بالضرورة أن الأسرة لا تهتم بكبير السن، لكنه قد يؤثر على إحساس الشخص باستقلاليته وقيمته ودوره. ولهذا فإن توفير المال والمسكن والرعاية الصحية، رغم أهميتها، لا يجيب وحده عن سؤال الرفاه النفسي. أحياناً يحتاج الإنسان أيضاً إلى أن يشعر بأنه **مطلوب، مسموع، وله دور**. وتشجع الجهات النيوزيلندية المعنية بكبار السن على المشاركة المجتمعية والتطوع والهوايات والتعليم المستمر وقضاء الوقت مع العائلة والأصدقاء، باعتبارها وسائل تساعد على المحافظة على الروابط الاجتماعية مع التقدم في السن. ## المهاجرون يواجهون حواجز إضافية أصدرت وزارة الصحة النيوزيلندية في 2026 استراتيجية للصحة النفسية والرفاه تمتد حتى عام 2036. وتعترف الاستراتيجية بأن المجتمعات الإثنية، ومن بينها المهاجرون واللاجئون، قد تواجه تحديات مميزة تشمل الحواجز الثقافية واللغوية وصعوبة الوصول إلى الخدمات المناسبة. كما أن كبار السن أنفسهم قد يحتاجون إلى طرق دعم تراعي احتياجاتهم المختلفة. وتشير تقارير صحية نيوزيلندية أيضاً إلى أن بعض المجتمعات الإثنية، ومنها مجتمعات الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، قد تواجه حواجز عند استخدام النظام الصحي. وقد تشمل هذه الحواجز اللغة، وعدم فهم كيفية عمل النظام الصحي، واختلاف النظرة الثقافية للصحة والعلاج، والقلق بشأن الخصوصية، أو التردد في طلب المساعدة. وهذا يعني أن المشكلة ليست دائماً في عدم وجود خدمات، بل أحياناً في المسافة بين الخدمة والمجتمع الذي يفترض أن يستخدمها. ## هل نتحدث عن الاكتئاب أصلاً؟ هناك أيضاً عائق ثقافي لا يمكن تجاهله. في بعض العائلات العربية، ما زالت كلمات مثل "اكتئاب"، "قلق"، "معالج نفسي" أو "طبيب نفسي" تحمل حساسية كبيرة. قد يتم تفسير المشكلة على أنها ضعف، أو مبالغة، أو أمر لا ينبغي الحديث عنه أمام الآخرين. وقد يقول كبير السن: "أنا بخير." رغم أنه بالكاد يغادر المنزل. أو: "ما في شيء." رغم أنه فقد اهتمامه بأشياء كان يحبها. ليس كل شعور بالحزن مرضاً نفسياً، كما أن الوحدة نفسها ليست تشخيصاً طبياً. لكن التغير المستمر في النوم أو الشهية أو المزاج، والانسحاب الاجتماعي، وفقدان المتعة، والقلق الشديد، كلها علامات تستحق الانتباه وربما التحدث مع مختص صحي. الأهم هو ألا تتحول ثقافة احترام الكبير إلى ثقافة تمنعنا من سؤاله عن مشاعره. ## المجتمع قد يكون جزءاً من الحل الحل لا يجب أن يبدأ دائماً من العيادة. المساجد والكنائس والجمعيات العربية والمراكز المجتمعية والأندية وحتى اللقاءات الأسبوعية البسيطة يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تقليل العزلة. تخيل مثلاً وجود لقاء أسبوعي لكبار السن العرب في أوكلاند أو ويلينغتون أو كرايستشيرش: قهوة، حديث بالعربية، نشاط بسيط، نزهة، محاضرة، مساعدة في التكنولوجيا أو حتى رحلة جماعية. هذه ليست مجرد أنشطة ترفيهية. إنها طريقة لإعادة بناء شيء فقده كثير من الناس عند الهجرة: **الشعور بالانتماء**. وتضع استراتيجية كبار السن في نيوزيلندا المشاركة الاجتماعية وتقليل الوحدة ضمن الأولويات المهمة للعيش الجيد مع التقدم في السن. ## والعائلة تبدأ بأبسط الأشياء ليس مطلوباً من كل أسرة أن تصبح خبيرة في الصحة النفسية. لكن هناك أشياء صغيرة قد تحدث فرقاً كبيراً. زيارة دون مناسبة. مكالمة كل يومين وليس فقط عندما نحتاج شيئاً. الخروج لتناول القهوة. إشراك الأب أو الأم في قرار عائلي. تعليمهم استخدام WhatsApp أو مكالمات الفيديو للبقاء على اتصال بأهلهم في الخارج. تشجيعهم على التطوع أو حضور نشاط اجتماعي يناسبهم. والأهم: إعطاؤهم مساحة للتحدث دون أن نسرع في قول: "لا تفكر بهذه الأشياء." أحياناً الشخص لا يريد حلاً فورياً. يريد فقط أن يعرف أن هناك من يستمع إليه. ## أين يمكن الحصول على المساعدة في نيوزيلندا؟ إذا كان شخص ما يمر بضيق نفسي ويحتاج إلى التحدث مع أحد، توفر نيوزيلندا خدمة **1737 – Need to Talk?** يمكن الاتصال أو إرسال رسالة نصية إلى **1737 مجاناً في أي وقت** للتحدث مع مستشار مدرب. وفي حالات الطوارئ النفسية، يمكن التواصل مع خدمات الأزمات النفسية المحلية أو الذهاب إلى قسم الطوارئ في أقرب مستشفى. وإذا كان هناك خطر فوري على حياة الشخص أو سلامته، يجب الاتصال بالرقم **111**. ويمكن أيضاً أن تكون نقطة البداية طبيب الأسرة أو الـGP، الذي يستطيع تقييم الحالة وتحديد نوع الدعم المناسب. ## السؤال الذي يجب أن نبدأ به ربما لدينا داخل الجالية العربية في نيوزيلندا أشخاص يعيشون بالقرب منا، لديهم منزل وعائلة وكل ما يبدو من الخارج أنه حياة مستقرة. لكنهم يفتقدون الحديث اليومي، واللغة، والأصدقاء، والشعور بأنهم جزء من مكان ما. لذلك، في المرة القادمة التي تزور فيها والدك أو والدتك أو قريباً كبيراً في السن، لا تسأله فقط عن السكر والضغط والدواء. اسأله: **كيف تشعر فعلاً؟** **هل تشعر بالوحدة؟** **هل هناك شيء تتمنى أن نفعله معاً أكثر؟** ربما تكون هذه الأسئلة البسيطة بداية حديث كان ينتظر أن يبدأ منذ سنوات. --- ## المصادر - Ministry of Health New Zealand — Mental Health and Wellbeing Strategy 2026–2036 - Health New Zealand | Te Whatu Ora — Health Status Report - Office for Seniors | Te Tari Kaumātua — Better Later Life Strategy - Ministry of Health New Zealand — Mental Health and Addiction Support - 1737 Need to Talk? — National Mental Health Support Service *هذا المقال للتوعية العامة ولا يُعد بديلاً عن الاستشارة الطبية أو النفسية المهنية.*